تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
189
نظرية المعرفة
العقل ولا الغريزة ، وإنّما هو شعور خاص يوجده سبحانه في بعض عباده الصالحين ، وهو يغاير الشعور الفكري المشترك بين أفراد الإنسان عامّة . ومن ينزل عليه الوحي لا يغلط في إدراكه ، ولا يختلجه شك ، ولا يعترضه ريب في أنّ الّذي يوحي إليه هو اللَّه تعالى ، من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجة . ولو افتقر إلى شيء من ذلك لكان اكتساباً عن طريق القوة النظرية لا تلقّياً من الغيب . والفرق بين الوحي وما تقدم من الإلهام والإشراق هو أنّ الوحي يتضمن تعاليم في مجالي العقيدة والعمل ، فيكون الموحى إليه نبياً مبعوثاً من جانب الخالق تعالى لتربية الناس وتزكيتهم . وهذا بخلاف الإلهام والإشراق ، فإنّهما لا يتضمنان تشريعاً ولا تقنيناً ، ولا يكون المُلْهَمُ مبعوثاً من جانبه سبحانه لتبليغ ما أُلهم . قيمة الإلهام والإشراق إنّ قبول قولٍ بلا حجة ولا برهان ، خروج عن الفطرة ، فالإنسان العاقل هو من يقبل الدعوى إذا قورنت بالدليل ، فصاحب المعرفة الحسيّة أو العقلية يصحّ له تعميم معرفته إلى غيره ، فيرشدنا إلى مُبْصرَاته ومسموعاته ، فنقبلها لأجل تطابق الحسَّين ، ويرشدنا إلى ما عقله بالبرهان ، فنتعقله به أيضاً . وأمّا مدّعي الإلهام ، فبما أنّه يدّعي أمراً غير محسوس ولا معلوم بالبرهان ، فيكون شهوده حجةً على نفسه فحسب ، ودليلًا له لا للغير . ولا يمكنه تعميم ما ألهم وأَشْرَقَ على قلبه ، وإراءته لغيره ليشاهده ويعاينه ويشرق على قلبه ، لأنّ للإلهام والإشراق مبادئ ومؤهلات خاصة ، كما تقدّم . ولكن مع ذلك ، لا يكذّب مدّعي الشهود والكشف ، غاية الأمر أنّه لا يمكن تعدية ما انكشف له ليكون قاعدة مطردة في مجالات العلم والمعرفة . نعم ، إذا تضمَّن الاتّصال بعالم الغيب تنبّؤاً بالوظائف الإنسانية في مجالَيْ